هل سمعت بقصة الرجل الذي أنقذ الناس من النمر، وكان جزاؤه الإعدام؟
من بين أروقة التراث العربي العريق وحكايات البادية المليئة بالأسرار، يأتينا عبر قصص واقعية مؤثرة نبأ رجل عُرف بين أهل البادية بلقب "ممخ"، بينما اسمه الحقيقي هو محمد؛ رجلاً متواضع الحال، قليل ذات اليد، لكنه كان يمتلك قلباً أشجع من صخور الجبال التي عاش في جوارها. بسلاحه البدائي البسيط الذي لا يغادر كتفه، اعتاد صيد ما يسد رمقه من الأرانب والعجول البرية عن قرب، متخذاً من خيمته المنصوبة على أطراف الجبل وطناً لا يحتاج لسواه.
بداية الحكاية: البادي والشجاعة في وجه المستحيل
مرت السنوات هادئة، حتى اضطرته الظروف للانتقال للسكن على أطراف قرية نائية. وما إن حط رحله وبدأ يجمع حطب السدر ليبني حظيرة آمنة لأغنامه القليلة، حتى تقاطر عليه أهل القرية مستهزئين وساخرين في مواقف تجسد قسوة المجتمع ونظرتهم الدونية للغرباء. قالوا له بصوت يحمل اليأس والاستسلام:
"يا محمد، سواء بنيت الحظيرة أم لم تبنها، فالنمر الضاري سيزورها لا محالة ليخطف شاة منك كل ليلة. نحن أهل القرية في عقر دارنا ولا نجحنا في رده، أفيعجز عن غنمك أنت؟ اعتد على الأمر ولا تجهد نفسك عبثاً!"
لم يكترث محمد لكلماتهم المثبطة، ولم يعر سخريتهم أي اهتمام. واصل عمله بجد، رصّ أغصان السدر بحرفية، وأنهى زريْبته، ثم ألقى جسده المتعب لينام في تلك الليلة وعينه تنام على حذر.
وفي جوف الليل، تحقق ما وعدوا به؛ هجم النمر الضاري، اقتحم الزريبة، خطف شاة وولى راجعاً إلى أحشاء الجبل. ومع تباشير الفطور الصباحي، دخل محمد إلى الحظيرة، فوخز بصره أثر صوف معلق بأشواك حطب السدر في أعلى الزريبة. تتبع الأثر بعين صائد خبير، فعرف أن الشاة قد وقعت ضحية لنمر الجبل.
عاد أهل القرية إليه يكررون سخريتهم بلا خجل: "ألم نُحذرك؟ عليك إما أن ترحل اليوم، وإما أن تشتري غنماً كثيرة تعوض ما يسرقه ليوفر له طعاماً وفيراً فيبتعد عنك!"
هنا اشتعلت نار الحمية والشجاعة في عروق محمد ضمن أحداث درامية تشد الانتباه في أروع القصص الشعبية. فهو صياد لا يرضى بالهوان ولا يعرف للهزيمة طريقاً. حمل سلاحه البدائي، وتوجه وحيداً نحو سفح الجبل يتعقب خطى النمر وأثر الصوف باحثاً عن عقر داره، حتى وقف بعد مسير شاق أمام مغارة مظلمة يتخذها الوحش مأوىً له. ولحسن طالعه، لم يكن النمر بداخله ساعة وصوله.
مواجهة الوحش ومؤامرة الغدر
لم يتردد محمد لحظة واحدة؛ فقد لمعت في ذهنه خطة جريئة. عاد أدراجه مسرعاً إلى منزله، أحضر فأساً وحطباً، وصعد مجدداً إلى شجرة قريبة من فم المغارة يترقب بصمت قاتل. وما إن خرج النمر ليبحث عن صيد أو نزهة، حتى هبط محمد كالصقر، وشرع بقطع الأخشاب وربطها بإحكام ليفشل أي محاولة دخول، عاقداً فم المغارة بسياج حصين من الحطب المتين، ثم اختبأ بانتظار عودة الوحش.
مع اقتراب المساء، عاد النمر المفترس ليدخل وكره، ففاجأه السياج المسدود. وقف النمر متوحشاً، وفي تلك اللحظة سدد محمد بندقيته وأطلق النار فأصابه بجراح بالغة. جن جنون النمر، وبدأ ينهش الخشب بقوائم حادة يريد الفتك بمن حبسه.
كانت بندقية محمد تتطلب طقوساً شاقة للتلقيم تستغرق وقتاً طويلاً؛ يضع البارود، يليه شيئاً من القطع أو الأوراق اليابسة ورصها بعود خشبي، ثم يدخل الذخيرة ويغلقها بإحكام تشبه تلك التي تُطلق في الأعراس والمناسبات. ومع كل هجمة شرسة من النمر المفترس، كان محمد يلقم سلاحه بثبات وهدوء وسط زئير الوحش، ثم يسدد ويطلق النار كرة تلو الأخرى. أربع ضربات متتالية كانت كفيلة بأن تجعل النمر يترنح، فمشى خطوات متعثرة قبل أن يهوي صريعاً على الأرض.
تأكد محمد أن الوحش قد فارق الحياة، فشدّه بحبل، وحفر له قبراً، ثم حمله ليضعه في الجانب الأيمن المخصص للضيوف في خيمته. بعد ذلك، دعا أهل القرية ليقفوا أمام المفاجأة الكبرى. رفع الغطاء عن جثة النمر وقال لهم بثقة هادئة: "يا أهل القرية، القطة الضارية التي كانت تسلبكم شاة كل ليلة.. ها هي قد انتهت، وجلبتها لكم إلى هنا."
صدم أهل القرية، وعقدت الدهشة ألسنتهم. لكن، عوضاً عن أن يغمرهم الامتنان وتتحرك في نفوسهم مشاعر العرفان، استيقظت في قلوبهم نوازع الحسد والغيرة القميئة في انعكاس واضح لمأساة نكران الجميل وغدر البشر. تناهى إلى مسامع محمد وأحدهم يهمس لبقية القوم بصوت خافت يعتصره الغل: "إنها لعارٌ ما بعده عار! يعجز أهل القرية أجمعين عن قتل نمر يأكل ماشيتنا كل يوم، ثم يأتي دخيل غريب فيقيم بيننا ويقتله في يوم واحد؟ لابد أن نتخلص منه."
أجمعوا على أمر دبروه بليل؛ اتفقوا على دعوته إلى مأدبة عشاء على شرف صيده البطولي، وما إن يشرع في الطعام حتى يغدوا عليه قتلاً ويخفوا أثره ليموت السر معه إلى الأبد.
لكن طعنات الحاقدين لا تخفى على قلوب الأنقياء. استرقت امرأة عجوز طيبة السمع تلك المؤامرة الدنيئة، فتحاملت على قدميها وسرعان ما توجهت إلى خيمة محمد، فنادت زوجته وأخبرتها بالخطر المحدق: "النجاة النجاة! ارحلوا الليلة قبل طلوع الفجر، فالحاقدون يبيتون لقتلك."
لم يتردد محمد حين أتاه اليقين. في جوف الليل، وفي الوقت الذي كان فيه أهل القرية يخططون لمئدبة الغدر، حمل محمد خيمته، وأمتعته، وأركب زوجته على جمله، وساق دابته، وودع مكان الغدر عائداً من حيث أتى نحو أهله وعشيرته.
مع إشراقة الشمس، افتقد أحدهم ضائعةً له فبحث عنها، فالتقى بأثر رحيل محمد، فركض مخبراً القوم: "لقد رحل محمد! لقد ترك القرية!"
أدرك القوم حينها أنه كشف لعبتهم وفر بجلدك، فحملوا أسلحتهم مأخوذين بغضبهم وهرعوا لتعقبه ولحاقه، لكنهم لم يدركوا له أثراً بعد أن توغل في طريق الجبل الوعر حتى بلغ منازل عشيرته وقومه. هناك، وحين رأوه بعزيمته ومنعته، تراجعوا خائفين وتملكهم الرعب من مغبة الصدام. عادوا أدراجهم بخفي حنين، وأرسلوا شيوخهم للاعتذار لاحقاً مدعين كذباً أنهم أرادوا تكريمه ولم يقصدوا سوى سؤاله عن سبب رحيله الفجائي.
العبرة المستفادة من الحكاية
تقدم لنا هذه القصة ضمن سلسلة عبر وعظات واقعية درساً بمرارة أن المعروف صنيعة الأحرار، لكن الحسد إرث متأصل في قلوب اللئام، وأن تقديم يد العون أحياناً لمن لا يقدّر النقاء قد يكلف الإنسان سلامته، فالحذر من لئام القوم خير من انتظار جزاء الإحسان في قلوب مريضة.