صَبَاحُ العِيدِ وَمَلْحَمَةُ الجَبَلِ
تَبْدَأُ حِكَايَتُنَا فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ العِيدِ٫ حَيْثُ كَانَتِ البَهْجَةُ وَالسَّكِينَةُ تُخَيِّمُ عَلَى أَهْلِ القَرْيَةِ الجَبَلِيَّةِ. كَانُوا يَتَبَادَلُونَ التَّهَانِيَ٫ وَالأَطْفَالُ يَلْعَبُونَ وَيَمْرَحُونَ فِي كُلِّ مَكَانٍ... وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِ أَحَدٍ أَنَّ القَدَرَ يَحْمِلُ غَدْراً مَشْئُوماً. فَالخِيَانَةُ طَبْعُ الجُبَنَاءِ٫ وَفِي عَالَمِ القصص والحكايات نَتَعَلَّمُ كَيْفَ أَنَّ مَنْ لاَ يَعْرِفُ لِلْوَفَاءِ عَهْداً لاَ يُرَاعِي حُرْمَةَ صَبَاحٍ مُبَارَكٍ.
حِكْمَةُ الشَّيْخِ وَاسْتِطْلاَعُ الخَطَرِ
وَإِذَا اقْتَرَنَ الكِبَرُ بِالحِكْمَةِ٫ وَكَانَتِ الحَيَاةُ هِيَ المَدْرَسَةَ٫ فَإِنَّكَ تَرَى مَا لاَ يَرَاهُ الآخَرُونَ. كَانَ الشَّيْخُ 'إِبْرَاهِيمُ' رَجُلاً عُجُوزاً يَعْرِفُ خَبَايَا النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ؛ يَصْعَدُ إِلَى الجَبَلِ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ لِيَنْظُرَ إِلَى الأُفُقِ ثُمَّ يَعُودُ دونَ أَنْ يَغْفُلَ يَوْماً.
وَفِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ٫ أَبْصَرَ عَنْ بُعْدٍ غُبَاراً يَتَصَاعَدُ؛ فَأَسْرَعَ إِلَى القَرْيَةِ مُحَذِّراً: "يَا قَوْمُ! إِنِّي أَشُكُّ أَنَّ غَزْواً قَادِمٌ نَحْوَنَا!" سَخِرَ مِنْهُ المَلأُ فِي البِدَايَةِ٫ لَكِنَّ شَابَّيْنِ: 'عُمَرُ' وَ'أَحْمَدُ' قَالاَ: "مَاذَا لَوْ صَحَّ حَدْسُ هَذَا الشَّيْخِ؟ مَا الَّذِي سَنَخْسَرُهُ إِنْ ذَهَبْنَا لِلتَّأَكُّدِ؟ إنْ وَجَدْنَا خَطَراً أَوْقَدْنَا النَّارَ وَأَنْذَرْنَاكُمْ٫ وَإِنْ لَمْ نَجِدْ شَيْئاً كَانَتْ جَوْلَةً وَنَعُودُ!"
مُطَارَدَةُ دَحْبُور وَرَصَاصَةُ عُمَرَ
انْطَلَقَا حَتَّى وَصَلاَ إِلَى نُقْطَةٍ قَرِيبَةٍ٫ لِيَكْتَشِفَا جَيْشاً مِنَ الفُرْسَانِ يَتَقَدَّمُ! أَحْضَرَا الحَطَبَ لإِشْعَالِ النَّارِ٫ لَكِنَّ فَارِساً يُدْعَى "دَحْبُور" يَمْتَلِكُ فَرَسَاً يُسَابِقُ الرِّيحَ لَمَحَهُمَا وَانْطَلَقَ خَلْفَهُمَا. شَعَرَ عُمَرُ أَنَّ الفَارِسَ سَيَلْحَقُ بِهِمَا٫ فَقَالَ لِصَدِيقِهِ: "أَكْمِلْ طَرِيقَكَ أَمَامِي لِيَرَاكَ٫ وَسَأَبْقَى أَنَا هُنَا!"
أَدْخَلَ عُمَرُ حِصَانَهُ فِي مُنْحَدَرٍ خَفِيٍّ وَتَوَارَى بَيْنَ الصُّخُورِ... أَقْبَلَ الفَارِسُ تَطْحَنُ حَوَافِرُ خَيْلِهِ الأَرْضَ٫ لَكِنَّ عُمَرَ كَانَ قَنَّاصاً مَاهِراً. سَدَّدَ بُنْدُقِيَّتَهُ٫ وَبِرَصَاصَةٍ وَاحِدَةٍ أَسْقَطَهُ أَرْضاً! رَكِبَ جَوَادَهُ السَّرِيعَ وَسَبَقَ الزَّمَنَ كَمَا نَقْرَأُ فِي رَوَائِعِ القصص والعبر لِيُعْلِنَ بَدْءَ المَلْحَمَةِ.
خُطَّةُ المَكْمَنِ وَرَصَاصَةُ الفَتَى الشُجَاعِ
دَقَّتْ طُبُولُ الحَرْبِ٫ لَكِنَّ حِكْمَةَ الشَّيْخِ تَدَخَّلَتْ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ: "اسْرُدُوا الخِيَامَ عَلَى الأَرْضِ وَاتْرُكُوهَا! سُوقُوا المَاشِيَةَ فِي المُقَدِّمَةِ٫ وَادْفَعُوا بِالأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَى أَعْلَى الجَبَلِ... فَإِنْ أَرَادَ العَدُوُّ المَاشِيَةَ وَارْتَحَلَ فَاتْرُكُوهُ٫ وَإِنْ أَرَادَ القِتَالَ فَقَاتِلُوا حَتَّى آخِرِ رَجُلٍ!"
اجْتَاحَ الغُزَاةُ المَكَانَ٫ وَتَقَدَّمَهُمْ قَائِدُهُمْ يَنَادِي بِغُرُورٍ: "أُرِيدُ أَنْ أَنْتِفَ رِيشَكُمْ! لَسْتُ هُنَا لِلْمَاشِيَةِ بَلْ لِنَمْحُوَكُمْ!" فِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ٫ كَانَ هُنَاكَ فَتًى شُجَاعٌ يَحْمِلُ السِّلاَحَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ٫ هَمَسَ لِمَنْ حَوْلَهُ: "بِمَا أَنِّي لاَ أُحْسِنُ الرِّمَايَةَ٫ سَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُضَحِّي بِنَفْسِهِ... فَإِذَا أُطْلِقَتِ النَّارُ عَلَيَّ٫ وَجِّهُوا سِلاَحَكُمْ نَحْوَ القَائِدِ!" سَحَبَ الزِّنَادَ... فَاسْتَقَرَّتِ الرَّصَاصَةُ فِي صَدْرِ القَائِدِ وَخَرَّ صَرِيعاً!
نِهَايَةُ الغُزَاةِ فِي الوَادِي المَسْدُودِ
دَبَّ الرُّعْبُ فِي صُفُوفِ الجُنُودِ وَفَرُّوا مَذْعُورِينَ؛ فَتَحَوَّلَ أَهْلُ القَرْيَةِ مِنْ مُدَافِعِينَ إِلَى مُطَارِدِينَ. وَصَلُوا إِلَى الوَادِي الَّذِي قُتِلَ فِيهِ دَحْبُور٫ فَأَخْطَأَ الغُزَاةُ الطَّرِيقَ وَاصْطَدَمُوا بِجِدَارِ الوَادِي المَسْدُودِ٫ فَتَنَاوَلَهُمْ أَهْلُ القَرْيَةِ حَتَّى لَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ سِوَى فَارِسَيْنِ.
عَادَ الأَهَالِي إِلَى عَاِئلاَتِهِمْ فَوْقَ أَحْصِنَةِ العَدُوِّ دونَ أَنْ يَمُوتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ. تُعَلِّمُنَا هَذِهِ الأُقْصُوصَةُ الَّتِي نُدْرِجُهَا فِي نَشْرِ القصص والعبارات الخَالِدَةِ أَنْ نَبْقَى عَلَى يَقَظَةٍ مَهْمَا كُنَّا فِي أَمَانٍ٫ وَأَنْ لاَ نَأْمَنَ لِغَادِرٍ أَبَداً.
وَحَتَّى وَإِنْ أَصْبَحَتِ القَرْيَةُ تَرَى الغَدْرَ يَنْتَصِرُ فِي بَعْضِ الأَزْمَانِ٫ إلاَّ أَنَّ الأَمَلَ يَبْقَى قَائِماً فِي انْتِصَارِ الحَقِّ. كَانَتْ هَذِهِ قِصَّتَنَا لِهَذَا اليَوْمِ٫ شَارِكُونَا آرَاءَكُمْ فِي التَّعْلِيقَاتِ٫ وَإِلَى اللِّقَاءِ فِي حِكَايَةٍ جَدِيدَةٍ!