وهم "سأرتاح غداً": حكاية الرجل الذي نسي أن يعيش وعاد يبحث عن طفولته
في مستهل كل بحثٍ نخوضه بين صفحات قصص وحكايات الإنسان عبر التاريخ، نجد أن أشد الفجائع ليست تلك التي تأتي من الخسارات المادية، بل تلك التي تقع حين يكتشف المرء أنه كان ضيفاً عابراً في حياته الخاصة.
كان ثمة طفل يركض في الحقول، يمشي على التراب وكأنه يملك الأرض وما عليها. ست سنوات كاملة عاشها في حُرية مطلقة، لا يحسب للوقت حساباً، ولا يعرف من الزمان إلا الضحكة التي تخرج من أعماق قلبه. كانت السماء في عينيه أوسع، والشمس أدفأ، واللحظة هي كل ما يملك.
وفجأة، أُغلق باب العفوية، واقتيد إلى مقاعد الدراسة. هناك، غُرست في عقله أولى بذور الوهم. كان يهمس لنفسه وهو يغالب النعاس فوق الكتب: "سأرتاح حين أنتهي من دراستي". مرت السنوات، وانقضت مرحلة العلم، لكن الراحة لم تأتِ. بل حلّ بدلاً منها قلق البحث عن الذات في سوق العمل. وقف على أعتاب الوظيفة وقال مجدداً: "سأرتاح حين أجد عملاً ثابتاً".
وجد العمل، وبدأت الساقية تدور بأقصى سرعتها. تزوج، وقال: "سأرتاح بعد الزواج والاستقرار". ثم أثقلت كاهله مصاريف البيت ورعاية الأبناء، فأصبح يجمع المال ديناراً فوق دينار، ودرهماً فوق درهم. نسي لون الغروب، نسي طعم القهوة في الصباح، تناسى جسده المنهك ونفسه التائقة للهدوء. كان يحترق في أتون القلق المفرط على مستقبل أولاده، يرى الغد وحشاً مفترساً يجب أن يؤمّن أطفاله منه، ناسياً أن للأبناء رباً يكلؤهم، ويرزق الطير في سماء الله بغير حساب.
كان يقول دوماً: "حين أتقاعد، سأستريح وأعيش حياتي".
وحان يوم التقاعد. جفّ حبر القلم، وتوقفت المنبهات الصباحية. جلس في غرفة هادئة، يرتجف كفّاه، وتتزاحم التجاعيد على وجهه كخرائط لشهور وسنين غابرة. نظر في المرآة، فحدثت الصدمة الكبرى: لحظة الإدراك.
اكتشف أن ستين عاماً قد انقضت كاملاً وهو مغمض العينين! لم يستمتع بيوم واحد. كان يحيا في "الغد" الذي لم يأتِ أبداً، ويستهلك رصيد عمره في انتظار لحظة مؤجلة للسعادة. جهش قلبه بالبكاء قبل عينيه، بكاءً مريراً يعصر الروح. خرج مهرولاً إلى حارته القديمة، يبحث عن ركضة طفولته، عن رائحة الخبز القديم، عن أصحابه الذين فارقوا الحياة، فلم يجد إلا أطيافاً وذكريات صامتة لا تجيب. حاول أن يعود إلى الوراء ولو ليلة واحدة، لكن الزمان لا يرحم، وظل يركض خلف سراب الماضي حتى فاضت روحه إلى بارئها وهو يحاول الإمساك بظل طفل كانه يوماً ما.
العقبة النفسية: لماذا نقع في فخ الراحة المؤجلة؟
تتجلى العقبة الكبرى في طبع الإنسان الحديث في مفهوم "الوهم المستقبلي"؛ أن نربط الراحة النفسية والسعادة الحقيقية بحدث قادم (شهادة، وظيفة، زواج، تقاعد). هذا النمط الفكري يجعلنا نعيش في حالة طوارئ دائمة، ويمؤل قلوبنا بـ القلق من المستقبل، فتتحول أيامنا إلى مجرد محطات انتظار ملطخة بالتعب وإهمال الذات.
الحلول الفلسفية لاستعادة سلامك الداخلي
إذا أردت أن تنجو من هذا الفخ وتكتب لنفسك فصل سيادة ونور بين أغلب حكايات البشر المكررة، عليك باتباع خطوات عملية لإعادة بناء جودة حياتك:
- العيش يوماً بيوم: اعلم أن اليوم هو كل ما تملك. الماضي مطويّ، والغد غيبٌ لا تملكه. اجعل شعارك اليومي: "هذا اليوم لن يعود، سأحيّاه بكل تفاصيله".
- التلذذ بصغائر الأمور: السعادة ليست في الأهداف الكبرى فقط؛ بل في فنجان قهوة ساخن، في حديث دافئ مع صديق، في التأمل بجمال الغروب، وفي استنشاق الهواء العليل.
- التخفف من القلق المفرط على الأبناء: قدم لأبنائك الحب والتوجيه والتربية الصالحة، ثم اترك الخوف جانباً. تذكر دوماً أن لهم رباً أرحم بهم منك، يرزقهم ويكفلهم كما كفلك في صغرك.
- إسقاط الشغف بالادخار المفرط على حساب الذات: لا تبخل على روحك وجسدك اليوم لتؤمن غداً قد لا تعيشه. التوازن بين الادخار للمستقبل والاستمتاع بالحاضر هو جوهر الحكمة.
رسالة إطمئنان لقلبك:
اطرد القلق من صدرك؛ فالرزق مكتوب، والأجل معلوم، وما كُلِّفت بملكوت غدٍ لم يولد بعد. ضع يدك على قلبك، تنفّس عميقاً، واعلم أنك الآن في اللحظة الوحيدة التي تملك فيها حق الحياة.
شكراً لكم أصدقائي وقرّاء المدونة الأوفياء على وقتكم وثقتكم الغالية. أتمنى أن تكون هذه السطور قد لامست أرواحكم وأزاحت عن صدوركم ثقل الغد. شاركوني أفكاركم وتجاربكم في التعليقات أسفل المقال!