في عام 1997، كان العالم يتشكل في عيني كأنشودة ربيعية لا تنتهي. كنا أطفالاً نركض في أحضان البرية، نقتات على الفرح البسيط ونتباهى بأسرار الطبيعة. كنت أذرع الجبل جيئة وذهاباً، أتفقد أعشاش الطيور بشغف، أرقب البيض الذي يتشقق ليخرج منه الحياة، وأحنّ على عنزتي التي تتأهب للولادة. وفي ذاكرتي، يربض مشهد دافئ: يوم أثلجت السماء، فاحتميت أنا وأخي الأكبر تحت شجرة كفيفة ملبدة بالثلج، أوقدنا تحتها ناراً دافئة، وكأن العالم بأكمله كان يلخصه ذلك الدفء المستتر تحت الأغصان.
لكن الرياح جاءت بما لم تتشتهِ براءتنا. اندلع الصراع المسلح، وانتهى المطاف بتشجير الخوف في أزقتنا. تركنا كل شيء ورائنا، وتكدست ثلاثة أو أربعة عائلات في بيت واحد مضغوط. هناك، رأيت لأول مرة ملامح الانكسار ترتسم على وجه أبي؛ لم أفهم سرها حينها، ولكنني أدركته متأخراً بعد أن دهستنا الحياة. تبددت البراءة، وأصبحنا نلهث خلف نغمة العيش التي لم تكن يوماً تشغل بالنا. رأيت أبي يعاني ليؤمن قوتنا اليومي، وتلاشت أحلام الدراسة للعمل في أعمال شاقة تجلب الإهانة والتعب من أجل لقمة العيش.
حين هدأت الأوضاع قليلاً، أخذنا والدي إلى مكان بعيد لنعمل رعاة لأغنام ليست لنا. ورغم المأساة، أعادت لنا رائحة الطبيعة شيئاً من الأكسجين. لكن هذه الاستكانة لم تدم سوى عام واحد؛ مرِض أبي، وعُدنا إلى مدينة مجاورة، وهناك بدأ الكابوس الحقيقي.
في سن السادسة عشرة، انزلقت قدمي نحو رفاق السوء. سقطت في قاع الإدمان، ولم أستفق من ذلك الضباب إلا ورحل والدي عن الدنيا، وتبرأت أمي من تصرفاتي بعد أن فقدت الأمل في صلاحي تماماً. استمر هذا الضياع قرابة ثماني سنوات؛ كنت أعيش كالغريب، وأبيت في كوخ مهجور يبعد عن المدينة ستة كيلومترات.
وفي يوم من أيام التيه، بعد أن دخل صديقي السجن وتفرق الآخرون، كنت أسير في السوق وحيداً. صادفني والد صديقي؛ كان رجل مسناً طلب مني بعض النقود. مددت يدي وأعطيته شيئاً يسيراً، فنظر إلي بدفء ودعا لي بدعوة هزت أركاني: "اللهم فك أسرك مما أنت فيه، واشفك، وردك إلى طبيعتك، واحفظك لأمك". خنقتني العبرة، ولأول مرة تحرك شيء ميت في داخلي. أدخلت يدي مجدداً وأعطيته كل ما أملك من مبلغ محترم ورجعت.
في تلك الليلة، نمت في الكوخ نومة هادئة لم أذقها منذ سنوات. استيقظت عند منتصف الليل على صوت صرير الهواء وهو يداعب جدران الكوخ، وصوت قطرات الندى. خرجت، فرأيت القمر ساطعاً والنجوم مرصعة في كبد السماء وكأنها لوحة إلهية تُعاد كتابتها. جلست أتأمل حتى الرابعة صباحاً، وشعرت بشوق جارف لأمي التي لم أزرها منذ أشهر.
مع طلوع الفجر، ذهبت واشتريت ملابس جديدة، دخلت الحمام، ورتبت نفسي وعُدت إليها. ويا لحنان الأم! استقبلتني بدموعها وأحضانها وكأن شيئاً لم يكن. الأمهات يسامحن دائماً مهما ثقلت الهموم.
بدأت العمل في الفلاحة لمدة عامين، نُنقل في صندوق الشاحنة الخلفي. وفي صباح أحد الأيام، وأنا أستعد للركوب، وقفت مع نفسي وقلت: "الرازق هو الله، ولن أركب هذه الشاحنة بعد اليوم لكي أُهان". تواصلت مع صديق لي، وفتحنا متجراً صغيراً لبيع الخضار والفواكه. استمررت سنتين ونصف، وتزوجت، ورُزقت بطفلي الأول.
عندما زادت الاحتياجات، انتقلت لمجال الطبخ وفتحت مطعماً صغيراً. ورغم الأزمات التي أغلقت المتجر وجعلتني أعود للفلاحة مؤقتاً، إلا أنني لم أفقد الأمل. عدت للطبخ مرة أخرى، وهذه المرة فتح الله عليّ أبواب الرزق الواسعة. بنيت منزلاً لأمي كمكافأة لها على صبرها، ثم بنيت منزلاً لعائلتي. واليوم، لدي طفلان والثالث في الطريق بإذن الله.
رسالتي لكم من القلب: مهما أغلقت الدنيا أبوابها، ومهما سقطتم في العتمة، تذكروا دائماً أن الثقة بالله قادرة على تحويل الشقاء إلى نعيم. لا تفقدوا الأمل أبداً.